أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب.. سيدي رئيس الحكومة: هل ستكون حكومتكم قبّارة الصّحف؟
سيدي رئيس الحكومة،
اسمحوا لي بأن أذكركم بأنّ دور الإعلام الحرّ والمستقلّ كان بعد تغيير النظام محوريّا في الدّفاع عن الحريات وحقوق الانسان.. لقد تصدّى هذا الإعلام للمشروع الظلامي، ولولا شجاعة الإعلاميين واتحاد الشغل والمجتمع المدني والمرأة التونسيّة لأصبحت تونس أفغانستان «لايت»..
منذ تغيير النظام كان لحكومة الترويكا هدف بارز، وهو اركاع الصحافة وترهيب الاعلاميين، حتى تتمكّن من فرض الدولة العقائديّة ولتجسّد ذلك الهدف، عمدت الى إلغاء كل الهياكل التي كانت تساهم في استمرار الصحف المكتوبة والالكترونية (عملية تجفيف منابع).. فقد منعت عن الوزارات وعن كبرى الشركات الاشتراكات في الصحف، وجمّدت الوكالة التي كانت توزع الاعلانات الحكومية ولم تتخذ اي اجراء لحماية قطاع يشغّل بصفة مباشرة أكثر من 6000 صحفي وإداري وتقني وموزّع.. وكنت التقيت ـ بصفتي رئيسا لجمعية مديري الصحف ـ برئيس الحكومة حمادي الجبالي وشرحت له الوضع المتأزّم الذي تتخبّط فيه الجرائد ـ آنذاك ـ فابتسم على عادته ووعد ولم يفعل شيئا.. كما كنت من ضمن من اقترحوا وقفات احتجاجيّة حاسمة لاجبار الحكومة على انقاذ هذا القطاع، لكنّ الخوف الذي كان يسكن نفوس بعض المسؤولين عن الصحافة منعهم من مساندة هذه المبادرة فاستقلت من رئاسة الجمعية.
واليوم، ها انّ هذا القطاع الحسّاس يعاني من مشاكل مادية وسياسية وقضائية عديدة ستساهم في انهياره، وستكون رئاسة الحكومة المسؤولة المباشرة عن انهيار الصحف المكتوبة والالكترونيّة لأنّها لم تتخذ الاجراءات الكفيلة بإخراج هذا القطاع من عنق الزّجاجة...
لننطلق من المشاكل المادية.. انّ أغلب الصحف الورقية والالكترونية تشكو مشاكل مادية لا يتصورها العقل، فمداخيل الاشهار في أي صحيفة في العالم تفوق 60 ٪ من مداخليها الجملية، كما انّ حكومات البلدان الديمقراطية تقدم مساعدات هامّة (جباية، اقتناء الورق، التجهيز، التوزيع) .. انّ الصحافة المكتوبة ركيزة من ركائز المجتمعات المتطوّرة والحرة، لكن لا حكومة الجبالي ولا حكومة العريض ولا حكومة جمعة ولا حكومتكم حاولت انعاش هذا القطاع وكأنّها غير واعية بأنّ تعددية الصحافة وحريتها هما صمّام الأمان للديمقراطية، اذ انّ الأحزاب تتلون وتتغيّر وقد يصل أحدها الى حدّ التحالف مع نقيضه ايديولوجيا، في حين انّ عددا هاما من الصحف يُواصل نضاله من اجل الحرّيات وسيادة القانون والشفافية.. انّ الصحافة ليست منتوجا اقتصاديا فقط بل هي منتوج سياسي وحقوقي ينتصب شوكة في حنجرة الديكتاتورية والظلامية...
اليوم، وأمام عدم اهتمام الحكومة بهذا القطاع، هناك صحف يموّلها بعض رجال الأعمال الاحرار وهناك صحف منكوبة ماديا، ورغم ذلك فهي تناضل وتتحدّى حتى تساهم في التعددية الاعلامية، معتمدة على بطولة صحفييها ودهاء مديريها، وهناك صحف بعثها وساندها كبار المهرّبين والمال الفاسد فاختصت في الثلب وهتك الأعراض وتلفيق التهم.. وهناك صحف ممولة من قبل الاحزاب العقائدية لا تلقى رواجا كبيرا لكن استمرارها مضمون.. وهناك صحف لها مداخيل اشهارية هامة مما يمكنها من الصمود. وممّا زاد الطين بلة تقلّصُ عدد القراء نظرا الى انهيار القدرة الشرائية، وهكذا أضحت الإذاعات والتلفزات والفايسبوك مصادر الخبر الفوري الذي يحصل عليه المواطن مجانا..
انّ الصحافة المكتوبة والالكترونية تختنق، بل لن أبالغ اذا قلت انّها على مسافة خطوات من مقبرة الجلاز! ولو اندثرت بعض الصحف لكان ذلك مؤشرا على قيام الدولة التي لا تحترم الحريات وتسبب تشريد الإعلاميين، ومما يعمّق الجراح والأزمة، ظهور أشياء غريبة كمحاولة مقاضاة الصحفيين بسهولة أو جرهم أمام المحاكم المختصّة في الارهاب أو التعامل مع الصحف «الصديقة» واقصاء الصحف الحرة وكذلك اعتبار الاعلام قطاعا لا يستحق الاهتمام، ممّا جعل الأموال السوداء تغزو بعض الصحف والتلفزات والإذاعات!
لست أدري الى غاية أيّ شهر سيتواصل صمود جرائد «أخبار الجمهورية» و«المغرب» و«آخر خبر» و«رياليتي» (حقائق) و«التونسية» و«الأنوار» و«الأخبار» و«الشارع المغاربي» على سبيل المثال إضافة الى أغلب الصحف الالكترونية ولو انّي على يقين من انّ انقراض جريدة واحدة هو إيذان بموت التعدّدية الإعلامية والديمقراطية.
سيدي رئيس الحكومة
إنّي أطالبكم بتنظيم قطاع الاشهار العمومي والاشتراكات بطريقة عادلة وسريعة والا سيفقد مئات العاملين في قطاع الإعلام عملهم وستدفن التعدّدية الصحفية ومعها الديمقراطية.. فهل يرضيك سي الحبيب الصيد أن تكون حكومتكم قبّارة الصحف الورقية والالكترونيّة؟